languageFrançais

'أزياء على الخشبة'.. قماش الأفلام التونسية ذاكرة لا تنسى

'هذه كمنجتي' تقول هند صبري، وفي عينيها تلمع ذكريات "آمنة" بطلة فيلم "موسم الرجال" لمفيدة التلاتلي' وهذه أزياء حبيبة مسيكة في فيلم "الرقص على النار" لسلمى بكّار وهناك آثار أعمال الراحل الفاضل الجزيري في فيلم "ثلاثون". بين الأزياء تتوه النجمة التونسية، لا كزائرة، بل كجزء من هذا الأرشيف الحيّ الذي يستعيد نفسه عبرها، كأن الذاكرة وجدت جسدا لتعود إليه.

في دار المؤدّب في قابس، لا يعرض التاريخ بقدر ما يعاد ارتداؤه. هناك، ينسج مهرجان قابس سينما فن خيوط ذاكرة أخرى، أكثر حميمية، عبر معرض "أزياء على الخشبة: ذاكرة السينما التونسية" الذي أشرف على انتقاء مكوّناته مصمّم أزياء السّينما التونسي صالح بركة بمعية ريم عباس، حيث تبدو الملابس معلّقة لا على المشاجب فقط، بل على الزمن نفسه. 

القماش ليس مادّة محايدة، بل أثر.. أثر جسد مرّ من هنا، ارتعش، انكسر، قاوم… ثم غاب، تاركا بصمته في الطيّات

ومنذ العتبة الأولى، يتبدّد ذلك الحدّ الفاصل بين ما هو تقني وما هو جمالي، فلا يظهر ما انتقاه المصمّم صالح بركة، بمعيّة ريم عباس، كأرشيف جامد، بل ككائنات صامتة تستعيد أنفاسها. فالقماش ليس مادّة محايدة، بل أثر.. أثر جسد مرّ من هنا، ارتعش، انكسر، قاوم… ثم غاب، تاركا بصمته في الطيّات، في الخيوط المرتخية، في زرّ أُغلق ذات مشهد وارتبك في آخر. 

في هذا المسار الموازي، تتحوّل الأزياء إلى لغة سينمائية قائمة بذاتها، لغة تُرى وتُلمس، تُحيل على ما لا تلتقطه الكاميرا دائما. بين خيط وإبرة، بين ثوب يستعيد وقفة جسد وآخر يكاد ينهار من ثقل ما حمله، يتشكّل أرشيف بديل، أكثر صدقا، لأنه لا يوثّق فقط بل يؤوي الأثر.

من سكن هذا الفستان؟ أيّ جسد عبر هذه الأكمام؟ وأيّ حكاية لا تزال عالقة بين البطانة والخيط؟ تتكاثر الأسئلة فيما تتواتر بعض الإجابات في ومضات من الأفلام المعروضة، لكنّ الجزء الأكبر يُترك للإحساس، لذلك الصمت الذي يملأ الفراغات بين الأشياء.

وفي زاوية من المعرض، تستعيد أزياء "صمت القصور" ذاكرة نسوية مشروخة، حيث لا تبدو القطع مجرّد انعكاس لمرحلة، بل امتدادا لأجساد عاشت في الظلّ وتمرّدت بصمت. وعلى مقربة، تنفتح أزياء "خشخاش" على توتّرات أخرى، حيث يتحوّل الجسد إلى ساحة تفاوض دائم مع المجتمع والسلطة، وتبدو الأقمشة أكثر حدّة، والخطوط أكثر ارتباكا، كأن الملابس نفسها تعيش صراعا بين ما يُراد لها أن تكونه وما تحاول أن تقوله. هنا، لا تكسو الأزياء الشخصيات فقط، بل تفضحها، تكشف هشاشتها وتعلن ارتباكها خارج حدود الشاشة.

أنت لا تمشي بين القطع كمتفرّج، بل تعبر داخلها، كأنك تدخل ذاكرة لا تخصّك تماما، لكنها تمسك بك

غير أنّ ما يمنح هذا المعرض سحره الأعمق، هو كيفية عرضه. فالسينوغرافيا التي صمّمها مالك قناوي لا تكتفي بوضع الأزياء في فضاء، بل تخلق مسارا حسّيا يجعل الزائر جزءا من التجربة. أنت لا تمشي بين القطع كمتفرّج، بل تعبر داخلها، كأنك تدخل ذاكرة لا تخصّك تماما، لكنها تمسك بك. تتجاور الفساتين، تتقاطع، تتباعد، ثم تعود لتلتقي، في سردية غير خطيّة تشبه عمل الذاكرة حين تستدعي صورها: متقطّعة، مشوشة أحيانا، لكنها مشبعة بالإحساس.

ووسط هذا النسيج، تظهر كمنجة هند صبري في "موسم الرجال"، لا كأداة موسيقية فحسب، بل كامتداد لجسد الشخصية التي حملتها على الشاشة، كأنها لا تزال تعزف خارجها. وبالقرب منها، يلوح أثر الفاضل الجزيري في "ثلاثون"، حيث يتحوّل اللباس إلى بيان بصري كامل، قطعة من عرض لا ينتهي، تحمل رؤية فنية تتجاوز حدود السينما إلى المسرح والحياة.

كلّ قطعة قماش تُضاف.. كلّ زرّ يُثبت، هو امتداد لحكاية لم تكتمل بعد..

إنّ التفاصيل الصغيرة هنا تكتسب كثافة غير متوقعة: أزرار متناثرة، خيوط بارزة، حوافّ موشّحة بعلامات الزمن… كلّها شواهد على سنين مرّت، وعلى لحظات عاشت ثم سكنت، قبل أن تعود لتنتفض من جديد. وفي كل زاوية، يهمس المعرض بفكرة واحدة: السينما لا تُحفظ فقط في الصور والأشرطة، بل أيضا في هذه البقايا الصامتة التي تحمل، رغم سكونها، سيلا كاملا من الحكايات.

ومن بين اللحظات اللافتة، تلك المقاربة التشاركية التي يدعو فيها المعرض زوّاره إلى ترك بصمتهم على فستان أبيض، فيتحوّل الجميع إلى جزء من هذا الأرشيف الحيّ. كلّ قطعة قماش تُضاف، كلّ زرّ يُثبت، هو امتداد لحكاية لم تكتمل بعد.

في دار المؤدّب، لا تنتهي الزيارة عند آخر قطعة. تخرج وأنت تحمل شعورا خفيفا وثقيلا في آن: أن الأجساد، حتى بعد غيابها، تبحث عن شكل آخر للبقاء وأن القماش، في النهاية، ليس سوى ذاكرة عنيدة، ترفض أن تمحى.

الواثق بالله شاكير